الشيخ محمد تقي فلسفي ( مترجم : الميلاني )

225

الطفل بين الوراثة والتربية

لقد تألم عبّاد من معرفة الخبر . واضطرب كثيراً وأقسم على الحجاج في أن يتخلى عن قتله لأنه يعيل أربعاً وعشرين امرأة وطفلاً ، وبقتله سوف تختل شؤونهم وتضطرب حياتهم . فرقّ الحجاج لكلامه وأمر باحضار عائلته إلى دار الامارة . وعندما حضر أولئك إلى دار الامارة واطلعوا على ما صمم عليه الحجاج ، وشاهدوا الحالة المزرية التي كان عليها وليهم ، بدأوا بالبكاء والعويل . . . وفجأة قامت طفلة صغيرة من بينهم ، كانت في غاية الجمال وأرادت أن تتكلم ، فقال لها الحجاج : ما هي صلتك بعبّاد ! ؟ قالت : أنا أبنته . ثم قالت له بكل صراحة : يا أمير ، اسمع ما أقول . . . وأنشأت تقول : أحجاج ، إما أن تمن بتركه * علينا وإمّا أن تقتلنا معا أحجاج ، لا تفجع به إن قتلته * ثماناً وعشراً واثنتين وأربعا أحجاج ، لا تترك عليه بناته * وخالاته يندبنه الدهر أجمعا هذه الكلمات الصريحة والقوية من هذه الطفلة الجريئة أبكت حجاجاً القاسي ، وجعلته ينصرف عن قتل عبّاد ، ويكاتب عبد الملك بشأنه حتى حصل على عفو الخليفة عنه ( 1 ) . 2 - الصبي الخطيب : لما آلت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز ، أخذت الوفود تتقاطر عليه من أنحاء الدولة لتهنئته . . . وكان من تلك الوفود وفد الحجاز . كان في ذلك الوفد صبي صغير ، قام في مجلس الخليفة ليتكلم ، فقال الخليفة : ليتكلم من هو أكبر منك سناً . فقال الطفل : أيها الخليفة ، إن كان المقياس للكفاءة كبر السن ففي مجلسك من هو أحق بالخلافة منك . فتعجب عمر بن عبد العزيز من هذا الكلام وأيده على ذلك ، ثم أذن له في التكلم . فقال : لقد قصدناك من بلد بعيد . وليس مجيئاً لطمع فيك أو خوف منك . . .

--> ( 1 ) المستطرف في كل فن مستظرف للابشيهي ج 1 ص 195 .